الحكيم الترمذي

56

كيفية السلوك إلى رب العالمين

[ النور : 35 ] . فمن تفكر بتوفيق اللّه تعالى بإدراك شيء من معنى بيان هذه الآية من أول الكتاب إلى آخره ما يدلّه على شرح معنى هذه الآية ، واللّه أعلم . وقال بعد هذا : وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُوراً فَما لَهُ مِنْ نُورٍ [ النور : 40 ] . وأسماء مقامات السرّ مثل الصدر والقلب هي عبارة باللسان ، وإنما حقيقتها إشارات إلى الأنوار ، وقد وضعها اللّه من خزائن نوره . ألا ترى ما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « فراسة المؤمن لا تخطىء » « 1 » ، « والمؤمن ينظر بنور اللّه تعالى » « 1 » ، وقال : « ليفتك قلبك » « 2 » ، وقال : « زاجر اللّه في قلب كل مؤمن وواعظه في قلب كل مؤمن » « 3 » . واعلم يا أخي أن قوام الخلق كلهم باللّه تعالى ، فما ظنك فيمن تولاه اللّه تعالى خصوصا واكتنفه بكنفه وجعله من خاصته وأهل ولايته . ومن لم يمت لا يرى القيامة إلا أن يموت ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من مات فقد قامت قيامته » « 4 » . ومن مات وخرجت روح نفسه وانتقل بروحه من الدنيا إلى الآخرة ، عاين الآخرة وما فيها . فكذلك من مات بمعناه وحيي بمولاه وعلم أنه لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ، فقد كشف له غطاء غفلته ، وقامت قيامته ، وصار حيا بمولاه ، لأنه اكتنفه وتولاه وأيد قلبه وأحياه ، فشاهد بنور الحق ما لم يشاهد غيره ، وقال اللّه تعالى : وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ [ آل عمران : 169 ] ، وقال : وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ [ البقرة : 154 ] . ومن قتله الكافر في سبيل اللّه جعله اللّه تعالى حيا بكرامته شهيدا ، فما ظنك فيمن قتله نور

--> ( 1 ) ورد بلفظ : « اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور اللّه » . رواه الترمذي في السنن ، باب ومن سورة الحجر ، حديث رقم ( 3127 ) [ 5 / 298 ] والقضاعي في مسند الشهاب ، ( 433 اتقوا فراسة . . ، ) حديث رقم ( 663 ) [ 1 / 387 ] ورواه غيرهما . ( 2 ) ورد بلفظ : عن وابصة بن معبد الأسدي أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال لوابصة جئت تسأل عن البر والإثم قال قلت نعم قال فجمع أصابعه فضرب بها صدره وقال استفت نفسك استفت قلبك يا وابصة ثلاثا البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك » . رواه الدارمي في السنن ، باب دع ما يريبك . . ، حديث رقم ( 2533 ) [ 2 / 320 ] وأحمد في المسند ، حديث رقم ( 18035 ) [ 4 / 288 ] ورواه غير هما . ( 3 ) هذا الأثر لم أجده فيما لدي من مصادر ومراجع . ( 4 ) رواه الديلمي في الفردوس بمأثور الخطاب ، حديث رقم ( 1117 ) [ 1 / 285 ] .